امتداد الريف والسلطوية الثقافية القادمة
"الإنسان هو ابن بيئته"
ما يتم عرضه في هذه الزاوية الميديوية الضيقة، هو تجلي آخر لصراع واسع وعريض بين جيلين، بل سمه صراع بين التيارات الريفية التقليدية مع غريمها الأزلي التيار المتمدن المصطبغ بالقيم الحداثوية، وكل من هذه التيارات يحاول ان يمارس هيمنته الثقافية وسلوكه السلطوي على الآخر، معلناً ذاته كمركز ثقافي تربوي أساسي ينبغى أن تستمد التيارات الأخرى منه القيم الجوهرية والمسميات والسلوكيات الإجتماعية وصولا لإستنساخ سوق العمل وفرضه كنموذج أساسي للبنية الإقتصادية بلا مبالغة، وما هذه المعركة الا امتداد ومحصلة للفوارق الإجتماعية والطبقية.
في الواقع ان هذه المعركة تستمد شرعيتها من الخطاب الإجتماعي الترييفي الذي يعمل بشكل جاد على شيطنة الشاب المتمدن وتصويره كنموذج الشاب الساذج والخامل غير المنتج ضعيف البصيرة المعرض للسلوكيات اللاأخلاقية.
فينطلق هذا الخطاب من منطلق الإستحقاقية والمركزية ذات الصفة الهلامية فتجد من يبثه قادر وبكل بجاحة أن يوزع صكوك السودانوية وعدم السودانوية على الأفراد كيفما شاء، "انت ما بتعرف التبروقة؟ انت ما سوداني ولا شنو؟"
وكأن معرفتك بالمسميات الريفية هي دليل على انتمائك للسودان بشكل عام.
الجدير بالذكر أن اغلب تلك المصطلحات الريفية وبعض العادات والموروثات الثقافية ما هي الا مصطلحات ومسميات وعادات مستلبة من الغزو والإستعمار التركي ثم الانجليزي وبعض التقاطعات الاثنية مع القبائل في المناطق الحدودية الأن (يرجى الإطلاع على كتاب البروفيسور عون الشريف- قاموس اللهجة العامية في السودان) ، فكانت ذات البيئة والمجموعة التي تفرض نفسها اليوم كمركز ثقافي في البلاد رهينة للثقافات الأخرى سابقاً.
وكمثال اخر في لقطة أخرى نرى تعامل المذيعة بسذاجة ووقاحة فجة وسط ضحكات الحضور وهي تشير لتربية الشابات الحاضرات بأنهم "تربية سعودية يعني شهادة عربية" بي ايحاء كليشي مبتذل لما سبق وذكرته .
مما يجعلنا ندرك أن امتداد هذا الخطاب الإجتماعي قد بلغ اوجّه وعشعش في عقل الإنسان السوداني بشكل يصعب استئصاله.
والأخطر من ذلك هو اعادة انتاج هذا الخطاب برسالته الثانية وهو ما يحاول بعض الشباب امثال معمر موسى وهشام الشواني وآخرون انتاجه واضافة قليل من المعرفة الإنسانية فيه حتى يحافظ على اتساقه في وجه الموجة الحداثوية القادمة، فتعمل عملية اعادة الانتاج على شيطنة جميع أفكار ما بعد الحداثة (وهي افكار انتجت في بيئات وظروف مشابهة ونتيجة لتراكم المعرفة الإنسانية) عن طريق تغليفها بنظريات المؤامرة ومصطلحات على شاكلة المشروع العولمي والامبريالية الجديدة.
في الواقع قد ابدي اسفي لانني لا استطيع تقديم حل حقيقي في وجه هذا الامتداد الريفي ومحاربة تمركزه الثقافي،
الا انني مؤمن تماماً بضرورة اقتلاع جذور تمركزه الثقافي للوصول للمجتمع المتمدن المتزن.
تعليقات
إرسال تعليق