الاغتصاب كأداة من منظور سايكولوجي (ضحية النيل الأزرق نموذجاً)
في ظل انتشار الفيديو المقيت والمهين بكل ما تحمله الكلمة من معنى، للمرأة المقهورة ضحية الإغتصاب في النيل الأزرق كان واجباً علينا تحليل ذلك السلوك الجنسي المريض (الاغتصاب الجماعي والاغتصاب الممنهج) والمنتشر بشكل خاص في الهامش والمناطق التي كانت شاهدة على الحروب والنزاع ذو الأصول الثقافية والإثنية الخ.
وقبل شروعنا في النسق التحليلي يجب اعطاء المصطلحات تعريفاتها فيمكننا تعريف الاغتصاب بشكل تقليدي على انه : الإكراه بالقوة أو عن طريق التهديد للآخر من أجل ممارسة الجنس
يبدوا للوهلة الاولى بعد قراءة هذا التعريف على انه سلوك غريزي يتجه لتلبية الحوجة الطبيعية للإنسان ولكن ذلك السلوك يتسم بالنهج الحيواني (العنف) متجاوزاً قيم الأخلاق أو الأنا العليا للفرد أو حتى القيم المجتمعية التي تجرم هذا السلوك، لكن حتى اتفادى فخ ادعاء المثالية يجب علي أن اوضح تماماً أن قيمنا المجتمعية قد لا ترفض مثل هذا السلوك بشكل مباشر!
اذ أن المجتمع نفسه قد طور احساساً بقبول العنف كوسيلة تواصل أو حتى اخضاع لمن هم أقل وأضعف.
ويمكننا الإستدلال بشكل طفيف لتماهي المجتمع وقبوله لأخلاقيات الحرب والنزاع واستخدامها في ترهيب المواطنين للمواطنين أو حتى السكوت عنها في الشارع السوداني كعلامة لقبول العنف كوسيلة
وذات هذا العنف هو المستخدم والعامل الرئيسي في جريمة الإغتصاب وسوف أعود لهذه النقطة لاحقاً
بعد ان اوضحت بشكل نظري بسيط مفهوم الإغتصاب كان علي الزاماً أن أتطرق الى ماهيته وتفسيراته من واقع النظريات الأنثروبولجية و البيولوجية على حد سواء.
طرح راندي ثورنهيل و كريغ بالمر نظرية اجتماعية اثارت بعض الجدل في مطلع الألفية والتي تنص على ان الإغتصاب قد تطور نتيجة لتكيف سلوكي على أساس جيني
لكي أوضح أكثر!
تنطلق هذه النظرية لتسمي الإغتصاب استراتيجية بديلة للبقاء والإستمرارية الجينية يتبعها الخاسرين في السباق والتنافس الطبيعي للحصول على الانثى، مما يذكرنا بنظرية شبيهة تدّعي بأن البروليتاريا ينجبون أبناء اكثر من غيرهم في الطبقات العالية المختلفة لذات الأسباب السابقة.
فقد يواجه الذكر الخيار بين الجنس المشروع أو انقراض جيناته، ولكن الذكر المغتصب يفشل في عملية الجنس المشروع والتنافس للتزاوج فيلجأ للجنس الإجباري باستخدام العنف.
ومن الدواعي للتوقف قليلاَ عند هذه النظرية هو التفكر فيما أسماه ثورنهيل وبالمر بـ"المغالطة الطبيعية"
فالقول بأن الإغتصاب هو سلوك بيولوجي لا يعني بتاتاً وبأي حال من الأحوال بأن هذا السلوك مبرر أو حتمي فالقول بأن كل ما هو بيولوجي صحيح أو شيء جيد يؤدي للوقوع في هذه المغالطة.
ولكن هذه النظرية من جانب آخر قد لا تشمل كل المغتصبين اذ أن بعض الذكور في دراسة أخرى اطلقها ماكيبين، يوجد انواع من المغتصبين اللذين يتحولون من عملية الجنس بالتراضي الى عملية الجنس القسري، وأنه ما لا يقل عن ثلث الرجال اقروا بأنهم قد يرتكبوا الإغتصاب في ظروف معينه، ولا ننسى بعض انواع الإغتصاب التي قد تتحول من الأنثى وتتجه للأطفال والمراهقين أنفسهم وبعض الأنواع التي تتمثل في الإغتصاب غير المهبلي فيمكننا استنتاج أن الحالة النفسية للمغتصب تكون فاعلاً اساسياً بل قد تغير الكثير في القضية، ولكن يجمع كل أولئك الجناة شعورهم بالإستحقاق الذي يشير الى امتيازية الذكور في مجتمعنا،
مما يدفعني لمحاولة متواضعة لتفكيك هذا السلوك الحيواني بشكل عام وكسر الصورة النمطية السائدة محاولاً التطرق الى:
- نظرة المجتمع للمغتصب
- عملية الإغتصاب الممنهج وأصولها
- فهم عملية التشوه الأخلاقي في ذهن المغتصب
"المغتصبين غرباء"!!
يظهر جلياً نظرة المجتمع للمغتصب في الحالات التي تطفح للرأي العام بالإحتقار ورميهم بالصفات الوحشية، لإحساسهم العميق ببشاعة الجريمة فيسارع المجتمع بالتبرء من هذه الافعال ونفيها بأنها لا تشبه القيم الأخلاقية المتعارف عليها مما ينتج عنه وصمهم بأنهم (آخرون) أي منفصلون تماماً عن واقعهم، فتنشأ تدريجياً تلك الصورة النمطية للجاني كوحش قبيح المنظر وسيء التعامل!
الا أن ذلك التسلسل من الأحداث يمكن إعتباره واحدا من ميكانزمات الدفاع التي اشار اليها سيغموند فرويد وهي (ميكانزم الإنكار) ولكنها تسير بشكل جمعي اذ يبدوا جلياً أن المجتمع في حالة إنكار وصدمة من الجريمة فينفي حدوثها من أفراده وهذا السلوك الجمعي يصب في صالح المغتصبين انفسهم.
يجب علينا أولاً الإدراك وتقبل حقيقة أن ( أي شخص قد يكون مغتصباً)
ولا ننسى أنه في كثير من الحالات أن المغتصبين يكونون على معرفة وعلاقة بضحاياهم، بل أن أغلب الرجال تراودهم خيالات جنسية قسرية وسادية وفقا لدراسة ماكيبين السابقة
(ولا عجب في هذا الأمر لأن الرجل بطبيعته الجنسية يكون سادياً ولكن تفاقم النزعة السادية قد تتحول الى سلوك جنسي مرضي)،
في الحقيقة ان تحول تلك الخيالات الى جريمة ليست الا مسالة ظرفية وتتعلق الظرفية هنا بالحس الأخلاقي للفرد الذي يبنيه انطلاقاً من تصوره لذاته وما يمكن لتلك المنظومة الأخلاقية كبحه.
بالرغم من سردي التحليلي المسترسل لهذه الظاهرة الا انه لا يوجد نوع شبيه بجريمة اغتصاب ضحية النيل الأزرق أكثر من عملية (الإغتصاب الممنهج) ويمكننا القول بأنه نوع من الإغتصاب بنمط واحد متكرر كتكتيك وآلية عسكرية قهرية لإستهداف فئة معينة.
وما زال هذا النوع من الاغتصاب أحد ادوات فرض السلطة من المؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية في مناطق النزاع والحروب منذ بداية الحرب الدينية في الخمسينات على جنوب السودان مرورا على دارفور من دون أن يفتح تحقيق أو ان يتم التوصل لجناة في السنين الماضية، مما لا يدع مجالاً للشك أن حوادث الإغتصاب هذه لم تكن عفوية البته، انما هو سلوك ممنهج لبسط اليد العليا لكل من هم دون العسكرية.
وما يؤسفني قوله هو أن الإغتصاب الممنهج لم يتواجد في السودان فقط انما كان حاضراً في أغلب الدول التي ما زالت تحظى بعدم استقرار أمني وسياسي.
قد تختلف عمليات الإغتصاب الممنهج في الدول بشكل طفيف الا انه له أصول واحدة غالباً وللشروع في سرد هذه الأصول علينا أن نطرح سؤالاً مهما.
لماذا تغتصب المؤسسات العسكرية؟
ليس لهذا السؤال إجابة محددة بعينها ولكن نستطيع أن نجزم بوجود أسباب تتشارك في اعطاء نفس النتيجة أول تلك الأسباب هو رمزية المرأة في تلك المجتمعات أو حتى ذهن الجناة
فجسد المرأة المرتبط بالشرف والعار كان ومازال الهدف المثالي لإلحاق الهزيمة المعنوية بالعدو
فيتم التصور في ذهن المليشيات أو القوات النظامية في خضم الحرب التي ترمى فيها القيمة الإنسانية في اطراف الخنادق ويتم التجرد فيها من جميع الأخلاقيات بأن سحق المرأة هو سحق للعدو وكسر لشوكته.
ثاني تلك الأسباب هو التأصيل لتلك الجرائم من قوى عليا وقد تتمثل هذه القوى العليا في الدين مثل الحروب الصليبية أو فقه الجهاد الإسلامي اللذان يتيحان للمقاتل بأن يأخذ العبيد والجواري متناسياً قيمة الإنسان، وقد تتمثل أيضا القوى العليا في الأنظمة الحكومية الإستبدادية اللادينية مثل عمليات التطهير العرقي والإغتصاب الممنهج لمسلمي الإيغور في الصين.
اما ثالث تلك الأسباب فهو لا يتبعد كثيراً عن السبب الأول ونستطيع القول بأن تلك المجتمعات نفسها كانت تستطيع أن تتجاهل مثل تلك الجرائم بسبب تصوراتها الميسوجينية والفجوات الثقافيه والإثنيه، فما يقع بعيداً عن المركز لا يمت للدولة المركزية بشيء فنجد ان جرائم الإغتصاب في القيادة العامة اثناء فض الإعتصام اثارت جدلاً وغضباً واسعاً بعد أن كان ذلك الأمر مسكوتاً عنه ، كذلك الأمر مع النظرة الميسوجينية التي تعتبر مثل هذه الجرائم عفوية لوضعها المرأة كمواطن ثاني ومحور للشرور وسبب في الجناية على نفسها بمعنى أن كل إمرأة تخالف الدور التقليدي لها في المجتمعات الذكورية وتطالب أو تمارس جزء من حقوقها توصم بصفه العاهرة في اشارة مريضة أخرى بأن العاهرات يستحقون الإغتصاب.
كذلك نستطيع الربط بأن كل ما ذكر ما أسباب أعلاه كان له تأثير رئيسي في خلق التشوه الأخلاقي في ذهن المغتصبين،
فينطلق ذلك التشوه كما أشرت مسبقاً بإحساس الفرد بإستحقاقيته ليجعل جميع من هم خارج السلك أو المؤسسة العسكرية أو الآخر المغاير جندرياً أقل منه مرتبة ، ولا يكتفي ذلك الشعور بالإستحقاقية بالبوت والزي العسكري والجندر، انما يتجذر ذلك الأمر للإنتماء العرقي أو القبلي إذ يجوز الإستدلال بمقولة المخلوع عمر البشير على لسان عراب الحركة الإسلامية سيء الذكر حسن الترابي في إحدى ندواته : " يعني الغرباوية دي اذا لقت واحداً جعلي كدا ركبها دا شرف ولا اغتصاب؟" وهو كان في ذاك الحين القائد الأعلى للقوات المسلحة السودانية
فينشأ عند الفرد الشعور بالعلو والحماية والخلو من المسائلة القانونية والتجرد من الإحساس بالذنب مما يذكرنا بتجربة ملغرام السلوكية الشهيرة في مطلع الستينات التي أعطت نفس النتائج للإنصياع للسلطة في حالة الأمن من العقوبة،
فيعطي ذلك الفرد نفسه الحرية لممارسة تلك الجرائم.
وربما جاز لي الإستدلال بمقولة عبدالغفار مكاوي في مقدمة ترجمته لمكتوب ايمانويل كانط - تأسيس ميتافيزيقيا الأخلاق : "ولكننا نقوم بتحديد أنفسنا ونشرع قوانين أخلاقنا
ً ونعتبر أحراراً بمقدار خضوعنا لهذه القوانين؛ فليست الحرية إلا هذا الخضوع الإرادي للقوانين، أو التحديد الذاتي Selbstbestimmung على حد تعبير كانط، والإنسان حر بقدر ما يخضع للقانون الذي يضعه هو نفسه لنفسه"
فاذا كانت تلك المؤسسات العسكرية تعطي الفرد الحماية القانونية والمجتمع الميسوجيني الذي يضمن امتيازية الذكور ولا يتفاعل مع تلك الجرائم بالشكل المطلوب بل يكاد لا يراها، وايضا قبوله للعنف كوسيله هيمنة،
والتأصيل من القوى العليا (الدين) الذي يقوم بمقام المنظومة الأخلاقية والحرب التي تدفع الأفراد الى التجرد من انسانيتهم وارتكاب أعمال مشينة تقشعر لها الأبدان، وتمدد الصراع الإثني والعرقي
لا عجب من تطوير احساس بالصواب في أذهانهم أو نشوء تشوه أخلاقي يمكنهم من صياغة قوانينهم الأخلاقية بشكل جديد يتقبل الجريمة بل التفاخر بها لدرجة تصوير ضحاياهم علي خلفية صوتية من الضحك والصراخ
#اغتصاب_فتاة_النيل_الأزرق
🖋️ أسعد خالد
تعليقات
إرسال تعليق