ديالكتيكية الخرافة (مقال)

انتشار الشائعة السخيفة للطفل الذي نطق في المهد وسلم الوصية الإلهيه الى الشعب السوداني بأن يشربوا الشاي المر قبل شروق الشمس جعلني افكر أكثر في اسباب انتشار الخرافات التي يتم التأصيل لها من الأديان في مجتمعنا البسيط، اذ انه يبدو ان انتشار الخرافة كسرعة النار في الهشيم له منظور ديالكتيكي ذو أطر سيكولوجية وإجتماعية  وفلسفية في آن واحد ، ولفهم ذلك أكثر وترتيب شرح هذه الأطر التي قد تبدد كل سراب زائف بمدى ادراكنا وذكائنا وتعليمنا العالي كشعب سوداني قسى عليه الزمن والأنظمة السياسية ، دعونا نعرف الخرافة لوضع أساس تنظيري للمقال

يعرف جيمس دريفر (فيلسوف وطبيب نفسي سكتلندي) الخرافة بأنها :
"عقيدة أو نسق من العقائد القائمة على أساس صلة خيالية بين الأحداث، وغير قابلة للتبرير على أساس عقلي Rational grouns"

بينما يعرفها كارل يونغ (عالم نفس سويسري) بأنها:
"اعتقاد راسخ في القوى فوق الطبيعية وفي الإجراءات السرية أو السحرية المنحدرة من التفكير الخيالي والتي أصبحت مقبولة اجتماعيا"

نجد هنا ان جيمس دريفر وكارل يونغ قد اتفقا على استخدام لفظ عقيدة واعتقاد للدلالة على الجزمية المفرطة للآراء التي لا يمكن تفسير طبيعتها ووضع اساس منطقي لها ، والعقيدة نفسها لا تأتي الا عن طريق الإدراك الحسي والاستنتاج والاتصال مع الأفراد و التلقين من سلطة معينة الا ان الخرافة نفسها ترتبط بالميثولوجيا والميتافيزيقيا فلا تستخدم الا اداتين من ادوات خلق العقيدة (الإتصال مع الأفراد - التلقين من سلطة معينة)

اذا ما سبب هذه الجزمية رغم الخلق الخاطئ للإعتقاد؟

للإجابة على هذا السؤال دعونا نعود الى ازمنة ما قبل الحداثة وبالتحديد العصور الوسطى عندما أمرت الكنيسة بإحراق النساء المشتبه في ممارستهم للطقوس السحرية لإعتقادهم السائد في أنهم سبب في وباء الطاعون الذي أودى بثلث سكان اوروبا آنذاك رغم انه لا يوجد سبب منطقي لربط ممارسات هؤلاء النسوة في التسبب بكارثة صحية على مستوى القارة، ونلاحظ في هذا المثال بعض العوامل المؤثرة على انتشار هذه الخرافة والقبول الإجتماعي التي حظيت به ،
وتتمثل تلك العوامل في الجهل وسوء الإدراك ونقص الإكتشافات العلمية والأزمات والإضطرابات ولا ننسى سيطرة المؤسسة الدينية التي تشترط الإيمان المطلق بالغيبيات والميتافيزيقيا.
إجتماع كل هذه العوامل مع بعضها البعض تخلق البيئة المناسبة لتبني الخرافة وخلق رواج هائل لها في المجتمع وإن اختفى واحد من هذه العوامل نجد أن تأصيل الخرافة والإيمان المطلق بها قد يكون عرضة للتشكيك والتساؤل.

الا أنه وبعد عدة قرون ما زالت الخرافات المرتبطة بالعقائد الدينية تحكم سيطرتها على عقول البعض ولا يوجد غرابة في ذلك اذا ذكرنا في سياق تاريخي أن أغلب المفكرين والفلاسفة والشعراء في عصر النهضة انقسموا الى اثنين اما انهم هوجموا من قبل المؤسسة الدينية واتهموا بالهرطقة أو انهم قد غضوا الطرف ولم يجرؤا على مجابهه الكنيسة او حتى المجتمع المحافظ وما زالت تلك المؤسسات الدينية تتبع ذات الأساليب ولم تقدم أي تطور حقيقي في الخطاب الديني الموجه للعامة فهي تستدعي التوبة والصلاة والعودة للمؤسسة من اجل انجلاء وباء أو اعصار أو طوفان دون أي اجراء وقائي للحد منه فالمؤسسه هنا تلعب دور الوساطة وهذا بذاته احد أكبر العوامل المؤثرة في التخوف من عملية النقد المنطقي للخرافة اذ أن تأصيل الخرافة بالدين يجعل من عملية انتقادها عملية صعبة ومعقدة في المجتمعات الدوغمائية.

مما يدفعنا لترسيخ حقيقة أن الخرافة تسري في تلك المجتمعات الفقيرة والمتخلفة التي تعاني من قهر الظروف المعيشية وعدم الإستقرار وانعدام الحلول وتكاد تنعدم في المجتمعات المعاكسة لها.

ويذكر الدكتور عامر صالح في مقاله (في سيكولوجيا الخرافة وبناء دولة المواطنة) منظورا سيكولوجيا آخر للأمر :

"يبدو إن الخرافة ستظل تضطلع بدورها الكبير في نفسية الأفراد والجماعات مهما تقدمت العلوم والمعارف وذلك للأسباب الآتية:
1 ـ لأن سواد الناس ليس في وسعهم أن يتخلصوا من العقلية البدائية، فكل ما ينهكهم ويوهن أجسادهم ويقض مضاجعهم كالمرض والحزن والفقر والمصيبة وما إلى ذلك، لابد أن يدفعهم إليها طوعا أو أكراها.

2 ـ لأن الإنسان يعاني من جوع نفسي، فهو يصعب عليه أن يعترف بجهله وعجزه. انه يؤثر الخداع الذي تشيعه الخرافة على الفراغ النفسي الذي لا يطاق والذي يشعره بالعدم.

3 ـ لأن سواد الناس تلم بهم حاجة ملحة إلى المشاركة بالوجود. فهم لا يكفيهم أن يؤمنوا بالقيم أو أن يتقبلوها. أنهم يصبون إلى الاتصال بها."

ففي منظور د.عامر صالح نجد طرحا واضحا ينص على أن التفكير الرغوبي في اللاوعي للإنسان المتخلف يطغى على التفكير المنطقي والمحاولات اليائسة لتحرير العقل من سلطة الإعتقاد التلقيني السائد.
وهذا ما يدفعني للإعتقاد أن الخرافة نفسها ما هي الا محاولات لتفسير الظواهر الغريبة اوالإجابة على الأسئلة الوجودية لكن قصر عقل الإنسان البدائي ادى الى ابتكارها كنتيجة حتمية لنقص أو انعدام ادوات التفكير المنطقي والبحث العلمي وقلة التجربة التي تغذي الذات وتؤدي الى عملية التمرحل الطبيعية لها لتنشأ ذات جديد قادرة على التحليل والنقد فالذات المفكرة ترفض تجارب الآخرين وسلطتهم (ولو كانت ناجحة) بدون تحليلها واخضاعها للمنطق .
 لا اجد بديلا سوى اعادة انتاج منهجية لنقد كل ما هو مقدس تنطلق من اسس فلسفة العقل والعلم (التي تنظر للإنسان بطبيعته المادية وتعيد تعويف كل من العقل والعلم على حده) في معالجة هذه الظواهر المزعجة والإعتقاد الجزمي بالخرافة ولكن قد تكون العقبة الوحيدة(للبعض) تكمن في أن هذه الخرافات قد تأصلت في ثقافتنا السودانية لدرجة أن نزعها بدون طرح السؤال الأهم (لماذا؟) قد يسبب خللا جديدا وينتج مجتمعا نستلوجيا يرثي ثقافته التي دمرتها النخبة المثقفة.

تعليقات

المشاركات الشائعة